السيد عبد الأعلى السبزواري

28

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

غذى كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها » . أقول : ما ورد في الرواية مطابق للأدلّة العقلية أيضا ، وليس فيها جهة من جهات التعبّد ويمكن أن يكون نزول مجموع الآيات التي ذكرت في الرواية بعضها من باب المقدّمة لدفع احتجاجاتهم ، لا أن تكون بنفسها احتجاجا عليهم . في العلل : عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « سمّي القرآن فرقانا لأنه متفرّق الآيات ، والسور نزلت في غير الألواح وغير الصحف ، والتوراة والإنجيل والزبور أنزلت كلّها جملة في الألواح والورق » . أقول : أما التوراة والإنجيل والزبور أنزلت جملة واحدة ، فيمكن ان يستشهد بقوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [ سورة الأعراف ، الآية : 154 ] . فيستفاد منه أن التوراة كانت مكتوبة بالخط الأزلي في الألواح ، وأما أن الألواح من أي شيء كانت ، فلا يستفاد ذلك من الآية المباركة . ويشهد لما قلنا قوله تعالى : صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [ سورة الأعلى ، الآية : 19 ] . وأما أن الإنجيل نزل جملة واحدة ، فلقوله تعالى : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ [ سورة المائدة ، الآية : 46 ] ، وغيره من الآيات المباركة التي يستفاد من سياقها أنه كان مكتوبا وأتاه اللّه إلى عيسى عليه السّلام . وأما الزبور ، فيشهد قوله تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [ سورة النساء ، الآية : 163 ] ، فإن المنساق منه أيضا النزول الجمعي . ثم إن القرآن والفرقان من الأمور الإضافية النسبية ، فيصحّ نسبة الجمع إلى القرآن في كلّ ما يصحّ انتساب الجمع إليه ، كالجمع بين الدفتين ، أو الجمع في قلب سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، أو الجمع في اللوح المحفوظ ، أو الجمع في علم اللّه تعالى ، أو الجمع في غير ما ذكر من العوالم .